فصل: مسائل من كتاب الفروع

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


مسائل من كتاب الفروع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وبعد، فهذه مسائل اخترناها من الفروع، وزدنا عليها ما شاء الله، وذلك أثناء قراءتنا كتاب الصيام في شعبان سنة 1931هـ نسأل الله التوفيق في الدنيا والا?خرة‏.‏

المسألة الأولى‏:‏

إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ففي صيام يوم الإغماء أقوال‏:‏

القول الأول‏:‏ وجوب صومه، اختاره الأصحاب وجعلوه المذهب عندهم، وقالوا‏:‏ نصوص أحمد تدل عليه، قال المؤلف‏:‏ كذا قالوا، ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب، ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته إليه، ثم رد جميع ما احتج به الأصحاب للوجوب‏.‏

القول الثاني‏:‏ أن صومه مباح، وأنه لا يجب صيام رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وقال‏:‏ هو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه‏.‏

القول الثالث‏:‏ يستحب صومه‏.‏

القول الرابع‏:‏ يكره صومه، ذكره ابن عقيل رواية‏.‏

القول الخامس‏:‏ يحرم صومه، ونقله حنبل عن أحمد، وهو مذهب مالك والشافعي‏.‏

القول السادس‏:‏ الناس تبع للإمام إن صام صاموا، وإلا فلا، وهو رواية عن الإمام أحمد‏.‏

القول السابع‏:‏ العمل بالعادة الغالبة‏:‏ كمضي شهرين كاملين فيكون الثالث ناقصاً، عمل بذلك ابن عقيل في موضع من الفنون، وجعله معنى التقدير في قوله‏:‏ ‏"‏فإن غم عليكم فاقدروا له‏"‏‏.‏

وأصح الأقوال أن صومه محرم، لقول عمار بن ياسر‏:‏ ‏"‏من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏ ذكره البخاري تعليقاً، ووصله الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وهذا اختيار صاحب تصحيح الفروع، حيث قال‏:‏ ظاهرالنهي التحريم، إلا أن يصرفه عن ذلك دليل اهـ‏.‏

المسألة الثانية‏:‏

إذا ثبت الهلال ببلد فهل يشمل الحكم جميع الناس في ذلك أقوال‏:‏

القول الأول‏:‏ يشمل الحكم جميع الناس، فيلزمهم الصيام في هلال رمضان، والفطر في هلال شوال، وهو المشهور من المذهب، وكأن صاحب الفروع يميل إلى تضعيفه، حيث تعقب في معرض سياق أدلته جميع ما احتجوا به، وقال‏:‏ دليل المسألة من العموم يقتضي التسوية‏.‏ يعني بين اختلاف الأحكام بالغروب والطلوع والزوال، حيث كان لكل بلد حكمه وبين اختلافها في مطالع القمر‏.‏

القول الثاني‏:‏ يشمل الحكم ما اتفقت مطالعه من البلاد دون ما اختلفت، وهو الأصح للشافعية، وذكره صاحب الفروع والاختيارات اختيار الشيخ تقي الدين، لكن نقل ابن القاسم في مجموع الفتاوى عن الشيخ ‏(‏ص 501 ج 52‏)‏‏:‏ أنه متى شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد لزم الصوم‏.‏ وفي ‏(‏ص 701 من المجلد المذكور‏)‏‏:‏ والضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله‏:‏ ‏"‏صوموا لرؤيته‏"‏، فمن بلغه أنه رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً، وفي ‏(‏ص 901 منه‏)‏‏:‏ ولو قيل‏:‏ إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلا على رؤيتهم، بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه‏.‏ وفي ‏(‏ص 111 منه‏)‏‏:‏ فتلخص أن من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم، أو الفطر، أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك‏.‏ والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك‏.‏ ومن لم يبلغه إلا بعد الأداء وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول، والنسك، فهذا لا تأثير له، وأما إذا بلغه في أثناء المدة فهل يؤثر في وجوب القضاء، وفي بناء الفطر عليه، وبقية الأحكام والقضاء‏؟‏ يظهر لي أنه لا يجب، وفي بناء الفطر عليه نظر‏.‏ اهـ كلام الشيخ رحمه الله‏.‏

وهذا القول أعني القول بأن الحكم يختلف باختلاف المطالع هو الراجح أثراً ونظراً‏.‏

القول الثالث‏:‏ يشمل الحكم من دون المسافة، فإن كان بين البلدين مسافة قصر لم يثبت لأحدهما حكم الا?خر‏.‏ اختاره في الرعاية، وذكره في شرح مسلم أنه الأصح للشافعية‏.‏

القول الرابع‏:‏ إن كان الإقليم واحداً شمل الحكم الجميع وإلا فلا، اختاره بعض الشافعية‏.‏

القول الخامس‏:‏ يشمل الحكم بلد الرؤية وما كان تابعاً له في العمل دون غيره، إلا أن يحمل الإمام الناس على ذلك‏.‏

القول السادس‏:‏ يختص الحكم ببلد الرؤية فقط، حكاه النووي في المجموع نقلاً عن ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق بن راهويه‏.‏

القول السابع‏:‏ إنه إذا كان البلدان يشتركان في جزء من الليل اشتركا في حكم الهلال وإلا فلا‏.‏ قاله محمد إسماعيل إبراهيم، ويتفرع على ذلك‏:‏ ما لو سافر من بلد إلى بلد خالفه في ثبوت الشهر، فالمشهور من مذهب أحمد أنه يبنى على أسبق البلدين، لأنه متى ثبت بمكان شمل الحكم جميع الناس، فإذا سافر من بلد ثبت فيه الشهر ليلة الجمعة إلى بلد ثبت فيه ليلة السبت وتم شهر ولم ير الهلال لزمه الفطر‏.‏ وإن سافر من بلد ثبت فيه ليلة السبت إلى بلد ثبت فيه ليلة الجمعة فأفطروا أفطر معهم وقضى يوماً‏.‏

وأما الشافعية فعندهم في ذلك وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ اعتبار البلد المنتقل إليه فيفطر معهم وإن لم يكمل، ويقضي يوماً، وكذلك إن أكمل الثلاثين ولم يفطروا فيصوم معهم‏.‏

والثاني‏:‏ اعتبار البلد المنتقل منه، فيلزمه الصوم في المسألة الأولى وإن كانوا مفطرين، والفطر في الثانية وإن كانوا صائمين‏.‏

المسألة الثالثة‏:‏

إذا ثبتت الرؤية في أثناء النهار فماذا يلزم‏؟‏ في هذا خلاف على أقوال‏:‏

القول الأول‏:‏ يلزمه الإمساك والقضاء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة‏.‏

القول الثاني‏:‏ يلزمه القضاء دون الإمساك، قاله عطاء، وحكاه أبو الخطاب رواية‏.‏

القول الثالث‏:‏ يلزمه الإمساك دون القضاء، قاله الشيخ تقي الدين‏.‏

وهذا القول أرجح الأقوال، لأنه لا تكليف إلا بعد العلم، وقد أفطر الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ظانين غروب الشمس، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء فإذا لم يؤمروا بالقضاء في هذه الحال التي الأصل فيها بقاء اليوم وعدم الغروب، فكذلك إذا أكلوا في يوم الأصل فيه بقاء شعبان بل هذا أولى‏.‏

المسألة الرابعة‏:‏

إذا طرأ شرط التكليف والصوم في أثناء اليوم كإسلام كافر وبلوغ صبي، وإفاقة مجنون، ففي حكم ذلك اليوم أقوال‏:‏

القول الأول‏:‏ وجوب الإمساك والقضاء وهو المشهور من مذهب أحمد‏.‏

القول الثاني‏:‏ وجوب الإمساك دون القضاء، وهو مذهب أبي حنيفة‏.‏ قال الزركشي‏:‏ وحكاه أبو العباس رواية فيما أظن، واختارها اهـ وهذا هو القول الوسط وأقرب إلى الصحة‏.‏

القول الثالث‏:‏ لا يجب الإمساك ولا القضاء، وهو مذهب الشافعي، ومالك، ورواية عن أحمد‏.‏

المسألة الخامسة‏:‏

إذا زال مانع الوجوب في أثناء اليوم وهو مفطر‏:‏ كقدوم المسافر وطهارة الحائض وبرء المريض، ففي حكم ذلك قولان‏:‏

القول الأول‏:‏ وجوب الإمساك والقضاء، وهو المشهور من المذهب ومذهب أبي حنيفة‏.‏

القول الثاني‏:‏ وجوب القضاء دون الإمساك، وهو رواية عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي، وهذا القول أصح، لأن الإمساك لا يستفيدون به شيئاً‏.‏ ووقت الوجوب كانوا فيه غير أهل له، وعلى هذا فلو قدم المسافر مفطراً ووجد امرأته طاهراً من الحيض يوم قدومه فله وطؤها‏.‏

أما إذا زال مانع الوجوب وهو صائم كقدوم المسافر صائماً، وبرء المريض فيلزمهم الإتمام قولاً واحداً‏.‏

المسألة السادسة‏:‏

إذا طرأ مانع الوجوب أو الصحة في أثناء اليوم، وفي ذلك عدة مسائل‏:‏

1 ـ إذا ارتد في أثناء اليوم بطل صومه ولزمه القضاء، وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يقضي، وقال صاحب المحرر‏:‏ ينبني على الروايتين فيما إذا وجد الموجب في بعض اليوم، فإن قلنا‏:‏ يجب وجب هنا، وإلا فلا اهـ‏.‏ والأصح وجوب القضاء عليه، لأنه من أهل الوجوب حين تعين الإمساك‏.‏

2 ـ إذا حاضت المرأة في أثناء اليوم فقال الإمام أحمد‏:‏ تمسك، قال في الفروع‏:‏ وظاهر كلامهم لا إمساك مع المانع، وهو أظهر‏.‏ قلت‏:‏ وهذا هو المذهب وهو المقطوع به، ويلزمها القضاء‏.‏

3 ـ إذا جنّ في أثناء النهار فهل يلزمه القضاء‏؟‏ ينبني على الروايتين في إفاقته في أثناء النهار بجامع أنه أدرك جزءاً من الوقت، وسبق في المسألة الرابعة، والذي يظهر هنا أنه يقضي، لأنه كان حين تعين الإمساك من أهل الوجوب‏.‏ هذا إذا قلنا بأن الجنون مبطل للصوم قليله وكثيره، كما هو اختيار المجد وابن البناء، ولكن قال في الفروع‏:‏ الجنون كالإغماء، فعلى هذا القول لا يبطل الصوم بالجنون، وهو المذهب‏.‏

4 ـ إذا سافر في أثناء النهار جاز له الفطر، والأفضل عدمه، وهذا هو المذهب، لكن لا يفطر قبل خروجه من البلد، خلافاً للحسن وإسحاق وعطاء، وعن أحمد رواية ثانية‏:‏ لا يجوز له الفطر إذا سافر في أثناء النهار، فالأقوال ثلاثة‏.‏

5 ـ إذا مرض في أثناء النهار، أو خاف المرض بعطش ونحوه فله الفطر بالإجماع، قاله في الفروع ص 12 ج 2‏.‏

المسألة السابعة في النية‏:‏

النية إما أن تكون في صوم واجب، أو في صوم تطوع‏.‏

فإن كانت في صوم واجب، ففيها أقوال‏:‏

الأول‏:‏ أنها تجب من الليل، وفاقاً لمالك والشافعي‏.‏

الثاني‏:‏ إن كان الصوم في رمضان، أو نذر معين أجزأت قبل الزوال لا بعده‏.‏ ومذهب أبي حنفية‏.‏

الثالث‏:‏ أن النية تجزىء في كل صوم من الليل وفي النهار قبل الزوال أو بعده، قاله الأوزاعي، وحكي عن ابن المسيب‏.‏

ولا تصح نية صوم يوم قبل ليلته، فلا تصح في نهار يوم لصوم الغد وفاقاً للأئمة الثلاثة، وعن أحمد تصح‏.‏ وعن أحمد أيضاً تصح في أول رمضان نية واحدة لجميعه، فإن أفطر منه يوماً لعذر أو غيره لم يصح صيام الباقي إلا بنية مجددة، وقيل‏:‏ يصح‏.‏

وأما إن كانت النية في صوم تطوع فإنها تصح قبل الزوال وبعده، وعنه لا تصح بعده، ومذهب مالك وداود هو كالفرض تسوية بينهما‏.‏

واختلف القائلون بصحة النية في النهار هل يثاب على الصوم من النية، أو من أول النهار، على ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ من النية، اختاره الموفق وغيره، وهو أظهر‏.‏

الثاني‏:‏ من أول النهار، اختاره صاحب المحرر‏.‏

الثالث‏:‏ إن نوى قبل الزوال فالثواب من أول النهار، وإلا فمن النية‏.‏

المسألة الثامنة‏:‏

هل يشترط في النية التعيين، أو يكفي نية الصوم، في هذه المسألة ثلاثة أقوال‏:‏

الأول‏:‏ اشتراط التعيين، وفاقاً لمالك والشافعي، وهو المشهور من المذهب‏.‏

الثاني‏:‏ لا يشترط التعيين في رمضان خاصة وفاقاً لأبي حنيفة، وعلى هذا يصح بنية مطلقة ونية نفل ونحوه، وبنية فرض تردد فيها بأن نوى ليلة الشك إن كان من رمضان فهو فرض وإلا فهو نفل، فيجزىء إن تبين منه، وهذه رواية عن أحمد، وعنه رواية ثالثة تصح نية فرض تردد فيها مع الغيم لا مع الصحو‏.‏

الثالث‏:‏ لا يشترط التعيين إن كان جاهلاً، وإن كان عالماً فهو شرط، اختاره الشيخ تقي الدين‏.‏

المسألة التاسعة‏:‏ المفطرات‏:‏

المفطرات هي‏:‏

1 ـ الأكل والشرب بالإجماع، أي ما وصل إلى الجوف من طريق الفم، سواء كان يغذي أو لا‏.‏ وقال الحسن بن صالح‏:‏ لا يفطر فيما ليس بطعام ولا شراب مثل أن يستف تراباً‏.‏ وقال بعض المالكية‏:‏ لا يفطر فيما لا يغذي ولا يماع في الجوف كالحصاة ونحوها‏.‏

2 ـ الاستعاط بدهن أو غيره إن وصل إلى حلقه أو دماغه، وقال مالك‏:‏ لا يفطر فيما وصل إلى الدماغ، وقال في الكافي‏:‏ يفطر بما وصل من ذلك إلى خياشيمه‏.‏ وقال الحسن بن صالح وداود‏:‏ لا يفطر بواصل من غير الفم؛ لأن النص إنما حرم الأكل والشرب والجماع‏.‏ وقال الشيخ تقي الدين في رسالته ‏"‏حقيقة الصيام‏"‏‏:‏ ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطراً هو ما كان واصلاً إلى دماغ، أو بدن، أو ما كان داخلاً من منفذ، أو واصلاً إلى الجوف، ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله وعند رسوله اهـ‏.‏

3 ـ الاكتحال بكحل يعلم وصوله إلى حلقه، ومذهب مالك والشافعي‏:‏ لا يفطر بذلك، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال‏:‏ فإن قيل‏:‏ بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دماً‏.‏ قيل‏:‏ هذا كما يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ فيستحيل دماً‏.‏ وكالدهن الذي يشربه الجسم، والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل دماً ويتوزع على البدن‏.‏

4 ـ التقطير في الأذن إن دخل دماغه، وقال مالك‏:‏ إن دخل حلقه أفطر وإلا فلا، وقال الأوزاعي، والليث، والحسن بن صالح وداود‏:‏ لا يفطر إن وصل إلى دماغه‏.‏

5 ـ الحقنة، وقاله الشافعي، وعن مالك خلاف، واختار الشيخ تقي الدين‏:‏ أنه لا فطر بالحقنة، وقال به الحسن بن صالح وداود‏.‏ قال الشيخ محمد رشيد رضا عن قول الشيخ تقي الدين‏:‏ إن قوله حق، ولكن يوجد في هذا الزمان حقن أخر، وهو إيصال بعض المواد المغذية إلى الأمعاء، يقصد بها تغذية بعض المرضى، والأمعاء من الجهاز الهضمي كالمعدة، وقد تغني عنها، فهذا النوع من الحقن يفطر الصائم فهو لا يباح له إلا في المرض المبيح للفطر‏.‏ اهـ

6 ـ وصول الدواء إلى جوفه، أو دماغه من دواء جرح، أو جائفة، أو مأمومة‏.‏ ومذهب مالك‏:‏ لا فطر بذلك، وهو قول أبي يوسف ومحمد، واختاره الشيخ تقي الدين‏.‏

ومثل ذلك لو طعنه أحد بأمره، أو طعن نفسه بما يعلم وصوله إلى جوفه أو دماغه، إلا أن مالكاً لم يذكر عنه أنه خالف في ذلك‏.‏

7 ـ الجماع بذكر أصلي في فرج أصلي‏.‏

8 ـ الحجامة إن ظهر دم فيفطر الحاجم والمحجوم، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة‏:‏ لا فطر بذلك، وقال الشيخ تقي الدين‏:‏ لا يفطر الحاجم إلا أن يمص القارورة‏.‏ وقال ابن عقيل‏:‏ يحصل الفطر بالحجامة وإن لم يخرج دم، وجزم به في المستوعب والرعاية‏.‏

ولا فطر بخروج الدم في غير الحجامة، سواء خرج بنفسه، أو بمحاولة، وقال الشيخ تقي الدين‏:‏ يفطر من أخرج دمه برعاف أو غيره، وقاله الأوزاعي في الرعاف، وذكر في التلخيص وجهين في الفطر بالفصد، وأن أصحهما عدم الفطر، وقال في الرعاية‏:‏ يحتمل التشريط وجهين‏.‏ وقال‏:‏ الأولى إفطار المفصود والمشروط، دون الفاصد والشارط‏.‏ اهـ‏.‏

9 ـ القيء إذا استقاء فقاء أي شيء كان‏.‏ وقال به مالك والشافعي وعن أحمد‏:‏ يفطر بملء الفم، وقال به أبو حنيفة، واختاره ابن عقيل، وقال القاضي‏:‏ إن فحش أفطر‏.‏ قال في الفروع‏:‏ ويتوجه احتمال لا يفطر القيء، وذكره البخاري عن أبي هريرة، ويروى عن ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، وقاله بعض المالكية‏.‏ وقال ابن عقيل في مفرداته‏:‏ إنه إذا قاء بنظره إلى ما يغثيه يفطر كالنظر والفكر‏.‏

01 ـ الإمناء بالمباشرة ونحوها كالاستمناء، وقال به أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقد نقض في الفروع ما احتج به على الفطر، ثم قال‏:‏ ويتوجه احتمال لا يفطر بذلك‏.‏ وقاله داود، وإن صح إجماع قبله كمـا قـد ادعى تعين القـول بـه‏.‏ اهـ

11 ـ الإمذاء بالمباشرة ونحوها كالاستمناء، وقاله مالك، ومذهب أبي حنيفة والشافعي‏:‏ لا فطر به اختاره الا?جري، وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين‏.‏ قال في الفروع‏:‏ وهو أظهر‏.‏

21 ـ الإمناء بتكرار النظر خلافاً لأبي حنيفة والشافعي والا?جري وإن أمذى بذلك لم يفطر خلافاً لمالك‏.‏ وإن لم يكرر النظر لم يفطر وفاقاً لمالك والشافعي‏.‏ وقيل‏:‏ يفطر وفاقاً لمالك، ونص أحمد يفطر بالمني دون المذي‏.‏

31 ـ الإمناء بالتفكير وظاهر كلامه‏:‏ لا يفطر، خلافاً لمالك، وابن عقيل، وأبي حفص البرمكي، وهو أشهر، لأنه دون المباشرة وتكرار النظر‏.‏

41 ـ الموت فيطعم من تركته في نذر وكفارة، كذا في الفروع ولم يذكر خلافاً، والصواب‏:‏ أنه لا يجب الإطعام، لأن هذا قام بالواجب ما استطاع‏.‏

51 ـ المباشرة بتقبيل، أو نحوه لمن تحرك شهوته، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، وحكاه الخطابي عنه وعن المسيب، وجمهور العلماء‏:‏ لا يفطر، وحكاه ابن عبدالبر إجماعاً‏.‏

شروط الفطر بما ذكر‏:‏

يشترط للفطر بهذه المفطرات شروط‏:‏

الأول‏:‏ أن يكون ذاكراً، فلا يفطر الناسي، خلافاً لمالك، إلا في الجماع فيفطر، وعنه لا، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي، اختاره الا?جرى وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين، وذكره في شرح مسلم قول جمهور العلماء، وقيل‏:‏ يفطر الناسي بالوطء دون الفرج، والاستمناء ومقدمات الجماع، والحجامة‏.‏

الثاني‏:‏ أن يكون مختاراً، فإن كان مكرهاً فلا فطر، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، وسواء أكره على الفعل حتى فعل، أو فعل به بأن صب في حلقه الماء مكرهاً، وإن أوجر المغمى عليه معالجة لم يفطر، وقيل‏:‏ يفطر لرضاه به ظاهراً، فكأنه قصده‏.‏ وإن أكره الصائم على الوطء أفطر، فاعلاً كان أو مفعولاً به في ظاهر المذهب‏.‏ وعن أحمد ما يدل على أنه لا فطر، حيث قال‏:‏ كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة، وقيل‏:‏ يفطر من فعل، لا من فعل به‏.‏

ولا يشترط أن يكون عالماً فيفطر الجاهل بالتحريم وفاقاً للأئمة الثلاثة‏.‏ وقيل‏:‏ لا يفطر، لأنه لم يتعمد المفسد كالناسي، فلو أكل ناسياً فظن أنه أفطر بذلك فأكل عمداً، فيتوجه أنها مسألة الجاهل بالحكم فيها الخلاف، قاله في الفروع‏.‏ وهذا هو الصواب‏.‏

ويفطر الجاهل بالوقت فلو أكل يظن بقاء الليل، أو غروب الشمس، فتبين أنه في النهار لزمه القضاء وفاقاً للأئمة الثلاثة، وقيل‏:‏ لا يلزمه القضاء، قاله الحسن، وإسحاق، والظاهرية، واختاره الشيخ تقي الدين‏.‏

وقيل‏:‏ يلزمه في الثانية، وهي إذا ظن الغروب دون الأولى، وهي إذا ظن بقاء الليل، قاله مجاهد، وعطاء، واختاره صاحب الرعاية، وبعض الشافعية‏.‏

الموجب للكفارة من هذه المفطرات‏:‏

الموجب للكفارة من هذه المفطرات هو الجماع إذا كان في نهار رمضان وأفطر به بدون عذر، والمرأة المطاوعة كالرجل، وعنه لا كفارة عليها وفاقاً للشافعي، وعنه يلزمه كفارة واحدة عنهما، وأما المكرهة فلا كفارة عليها، وذكر القاضي رواية‏:‏ تكفر، وعنه ترجع بها على الزوج، وكذا المعذورة بجهل أو نسيان، وعنه يكفر الواطىء عن المعذورة بإكراه، أو جهل، أو نسيان‏.‏

وجماع البهيمة كالا?دمية، وقيل‏:‏ لا فطر ولا كفارة، وفاقاً لأبي حنيفة، ولا كفارة بغير الجماع المذكور وفاقاً للشافعي، وعن أحمد‏:‏ يكفر للفطر بالحقنة، وبالاحتجام إن بلغه الخبر، وقيل عنه‏:‏ يكفر للفطر بأكل، وشرب، واستمناء‏.‏ ومذهب مالك‏:‏ يكفر من أكل وشرب، ومذهب أبي حنيفة يكفر منهما إن كان مما يتغذى به، أو يتداوى به‏.‏

ذكر أشياء في الفطر بها خلاف‏:‏

1 ـ إذا أصبح في فيه طعام يمكنه لفظه بأن يتميز عن ريقه، وهو أقل من الحمصة أفطر، خلافاً لأبي حنيفة ومالك‏.‏

2 ـ إذا زاد على الثلاث في مضمضة، أو استنشاق، أو بالغ فدخل الماء حلقه بلا قصد لم يفطر، وقيل‏:‏ يفطر، واختار صاحب المحرر يفطر بالمبالغة للنهي الخاص وعدم ندرة الوصول فيها، بخلاف المجاوزة، وأنه ظاهر كلام أحمد في المجاوزة، يعني أنه يعيد‏.‏

3 ـ إذا جمع ريقه فابتلعه لم يفطر، وفاقاً للأئمة الثلاثة، وقيل‏:‏ يفطر‏.‏

4 ـ إذا مضغ علكاً لا يتحلل منه أجزاء كره، وفاقاً للأئمة الثلاثة ويتوجه احتمال لا، لأنه روي عن عائشة، وعطاء، وعلى الأول لو وجد طعمه في حلقه فهل يفطر أم لا‏؟‏ على وجهين، وعلة عدم الفطر أن مجرد الطعم لا يفطر، كمن لطخ باطن قدمه بحنظل إجماعاً، بخلاف الكحل فإنه تصل أجزاؤه إلى الحلق‏.‏

5 ـ الغيبة لا يفطر بها، قال أحمد‏:‏ لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم، قال في الفروع‏:‏ وذكر شيخنا وجهاً في الفطر بغيبة ونميمة ونحوها، فيتوجه منه احتمال يفطر بكل محرم، ويتوجه احتمال تخريج من بطلان الأذان بكل محرم، واختار ابن حزم يفطر بكل معصية‏.‏

* * * بسم الله الرحمن الرحيم

الصيام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد‏:‏

صيام رمضان هو أحد أركان الإسلام، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام، وفرض صيامه في السنة الثانية من الهجرة، وكان أول ما فرض على التخيير، يخير الإنسان فيه بين أن يصوم أو يفدي، أي يطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم تعين الصيام ولم يرخص لأحد في تركه إلا من عذره الله عز وجل، فيكون للصوم مرحلتان‏:‏

* المرحلة الأولى‏:‏ التخيير بين الصيام والفدية‏.‏

* المرحلة الثانية‏:‏ تعيين الصيام‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون * شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ‏}‏‏.‏

ثم إن الصيام ليس خاصًّا بهذه الأمة، بل هو عام لها ولغيرها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ‏}‏‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏ كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون‏}‏ فائدتان‏:‏

الفائدة الأولى‏:‏ تسلية هذه الأمة، حيث لم يكلفهم الله عز وجل هذا الصيام إلا لأن غيرهم كلفوا به‏.‏

الفائدة الثانية‏:‏ بيان فضل هذه الأمة، حيث استكملت من الفضائل ما كمُل لغيرها‏.‏

ثم اعلم أن الصيام كف الإنسان عن المحبوب، والزكاة بذل الإنسان للمحبوب، والصلاة والحج تكليف بدني وعمل وجهد بدني‏.‏

فاستكملت هذه الأركان الخمسة جميع أنواع التكليف‏:‏

ـ جهد بدني‏.‏ ـ وبذل للمحبوب‏.‏ ـ وكف عن المحبوب‏.‏

والحكمة من الصيام ليس أن يمنع الإنسان نفسه عن الطعام والشراب والنكاح، ولكن الحكمة منه ما أشار إلله إليه في قوله‏:‏ ‏{‏لَعَلكُمْ تَتَّقُونَ ‏}‏ وما أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏"‏من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه‏"‏‏.‏ فمن لم يصنه صومه عن محارم الله فإن صومه ناقص، وقد فاته الحكمة منه‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏من لم يدع قول الزور‏"‏ فما هو قول الزور‏؟‏

كل قول محرم‏.‏ ‏"‏والعمل به‏"‏ أي‏:‏ بالزور يعني كل فعل محرم‏.‏ والجهل يعني العدوان على الناس وعدم الحلم، كما قال الشاعر‏:‏

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا ثم اعلم أن صيام رمضان إنما يجب على الإنسان بشروط ستة‏:‏

1 ـ الإسلام‏.‏ 2 ـ العقل‏.‏ 3 ـ البلوغ‏.‏ 4 ـ القدرة‏.‏ 5 ـ الإقامة‏.‏

6 ـ الخلو من الموانع‏.‏

أولاً‏:‏ الإسلام وضده الكفر‏:‏ فإذا كان الإنسان كافراً فلا يلزمه الصوم بمعنى أننا لا نلزمه أن يصوم، لأنه ليس أهلاً للعبادات، فلو صام لم يقبل منه صومه، قال تعالى‏:‏ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ‏}‏ الا?ية‏.‏

ومن ذلك إذا كان الرجل لا يصلي فإن صومه لا يصح، وهو غير مقبول منه، لأن من لا يصلي كافر، والكافر لا يقبل الله منه العبادة‏.‏

ثانياً‏:‏ العقل‏:‏ وضده الجنون، فالمجنون لا يجب عليه الصوم، لأن من شرط صحة الصوم النية، والمجنون ليس أهلاً للنية، لأنه لا يعقل، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏رفع القلم عن ثلاثة‏:‏ عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق‏"‏‏.‏

ومما يلحق بالجنون فقد العقل لكبر، فإن الإنسان إذا كبر ربما يفقد عقله حتى لا يميز بين الليل والنهار، والقريب والبعيد، ويكون أدنى حالاً من الصبي، فإذا وصل الإنسان إلى هذه الحال فإنه لا يلزمه الصوم كما لا تلزمه الصلاة والطهارة‏.‏

الثالث‏:‏ البلوغ‏:‏ وضده الصغر‏:‏ ويكون البلوغ بواحد من ثلاثة بالنسبة للذكر، وبواحد من أمور أربعة بالنسبة للأنثى‏:‏

الأول‏:‏ تمام خمس عشرة سنة‏.‏

والثاني‏:‏ إنبات شعر العانة‏.‏

والثالث‏:‏ إنزال المني بشهوة باحتلام، أو يقظة‏.‏

فإذا وجد واحد من هذه الأمور الثلاثة صار الإنسان بالغاً، سواء كان ذكراً أم أنثى، وتزيد الأنثى أمراً رابعاً وهو الحيض، فإذا حاضت فهي بالغة حتى لو حاضت لعشر سنوات فإنها بالغة يلزمها الصوم‏.‏

وهنا أقف لأنبه على هذه المسألة التي تخفى على كثير من الناس‏.‏ فإن بعض الناس إذا بلغت المرأة وهي صغيرة يظن أنها لا تلزمها العبادات، لأنها صغيرة السن، وهذا خطأ، فلو حاضت وعمرها عشر سنين لزمها ما يلزم المرأة التي لها ثلاثون سنة، وبعض النساء تبلغ وهي صغيرة وتخفي الأمر عن أهلها حياء أو خجلاً، وتدع الصوم، أو تصوم في أيام الحيض‏؟‏

فهذه المرأة يلزمها قضاء ما تركت من الصوم، وكذلك يلزمها إعادة ما صامته في أيام الحيض‏.‏

الرابع‏:‏ القدرة‏:‏ وضدها العجز، والعجز عن الصيام ينقسم إلى قسمين‏:‏

1 ـ عجز طارىء يرجى زواله كالمرض العادي‏.‏

2 ـ عجز دائم مستمر لا يرجى زواله‏:‏ كالأمراض التي لا يرجى زوالها كالسرطان، والكبر لأن الكبر لا يرجى زواله، هذا النوع من العجز لا يلزم العاجز فيه الصوم، لأنه غير قادر عليه، ولكن يطعم عن كل يوم مسكينا بعدد الأيام، فإذا كان الشهر تسعة وعشرين لزمه أن يطعم تسعة وعشرين مسكيناً، وإذا كان الشهر ثلاثين لزمه أن يطعم ثلاثين مسكيناً، وكيفية الإطعام على وجهين‏:‏

الوجه الأول‏:‏ أن يدعو مساكين بعدد الأيام في آخر الشهر على الغداء إن كان بعد رمضان، أو على العشاء‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أن يطعمهم حبًّا ولحماً يؤدم هذا الحب، ومقدار الحب الذي يجب أن يعطى كل مسكين ربع الصاع، لأن الصاع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد‏.‏ وقد حررت الصاع فبلغ ‏"‏كيلوين وأربعين غراماً‏"‏‏.‏ والصاع لأربعة سيكون مقدار إطعام كل مسكين ‏"‏نصف كيلو وعشرة جرامات‏"‏ وإذا زاد الإنسان احتياطاً فلا حرج عليه، لكن هذا هو المقدار الواجب‏.‏

أما النوع الثاني من العجز‏:‏ فهو العجز الطارىء الذي يرجى زواله‏:‏ كالمرض الطارىء كالزكام والحمى وما أشبهها، فالواجب على هذا المريض أن يقضي إذا أفطر ما أفطره، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ‏}‏ فهذا المريض الذي يرجى زواله نقول له‏:‏ أفطر إذا كان الصوم يشق عليك واقض ما أفطرت‏.‏

الخامس‏:‏ أن يكون مقيماً‏:‏ وضد المقيم المسافر فلا يلزمه الصوم للدليل السابق‏.‏

السادس‏:‏ الخلو من الموانع‏:‏ وهذا خاص بالأنثى بأن لا تكون حائضاً ولا نفساء، لأن الحيض والنفاس يمنع من صحة الصوم، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحائض‏:‏ ‏"‏أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم‏"‏، وأجمع المسلمون على أن الصوم لا يصح من الحائض ولا يلزمها، بل يحرم عليها وكذلك النفساء‏.‏

ووقت الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أي من حين أن يتبين الفجر إلى غروب الشمس، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ‏}‏‏.‏ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر‏"‏،ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا أقبل الليل من هاهنا ـ وأشار إلى المشرق ـ وأدبر النهار من هاهنا ـ وأشار إلى المغرب ـ وغربت الشمس فقد أفطر الصائم‏"‏‏.‏ ففي هذه الا?ية وهذين الحديثين تحديد لوقت الصيام، وأنه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس‏.‏

والمفطرات هي‏:‏ 1 ـ الأكل‏.‏ 2 ـ الشرب‏.‏ 3 ـ الجماع‏.‏

ودليل هذه الثلاثة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ‏}‏‏.‏

والأكل والشرب لا فرق بين أن يكون المأكول نافعاً، أم غير نافع، حلالاً أم حراماً‏.‏

وعلى هذا فلو قدر أن رجلاً ابتلع خرزة عمداً فإنه يفطر، لأن هذا أكل، ولو أن أحداً شرب دخاناً فإنه يفطر لأن هذا شرب‏.‏

ولا فرق أيضاً أن يصل هذا الطعام عن طريق الفم، أو عن طريق الأنف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث لقيط بن صبرة ـ رضي الله عنه ـ‏:‏ ‏"‏بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً‏"‏ وهذا يدل على أن ما دخل من الأنف إلى الجوف كالذي دخل من الفم‏.‏

4 ـ ما كان بمعنى الأكل والشرب‏.‏

مثل‏:‏ الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الأكل والشرب، فهذه مفطرة‏.‏

لكن قد يقول قائل‏:‏ ما هو الدليل على أنها مفطرة، لأن كل إنسان يدعي أن هذا الشيء مفطر فإنه يلزم بالدليل، فإن أتى بدليل وإلا فقوله غير مقبول، لأن الأصل في العبادات الصحة حتى يقوم دليل على إفساده، وهذه قاعدة‏.‏

وأيضاً‏:‏ كل ما ثبت بدليل فإنه لا يرتفع إلا بدليل، فقد ثبت هذا الصوم بمقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن يرتفع ويفسد إلا بدليل شرعي‏.‏

فبناءً على هذه القاعدة بل القاعدتين أين الدليل على أن الإبر التي يستغنى بها عن الأكل والشرب تكون مفطرة‏؟‏

ج‏:‏ نقول‏:‏ الدليل على ذلك أن الله تعالى قال في القرآن‏:‏ ‏{‏ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ‏}‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب ‏}‏ والميزان هو الذي توزن به الأشياء ويقارن بينها، ونحن إذا وازنا بين هذه الإبر التي يستغنى بها عن الأكل والشرب والأكل والشرب‏.‏ تكون سواءً في الحكم‏.‏

فيكون القول بأنها مفطرة مبنيًّا على القياس، أي قياسها على الأكل والشرب‏.‏

فإن قال‏:‏ هذا القياس غير تام، لأن بينها وبين الأكل والشرب فرقاً عظيماً‏.‏ وهذا الفرق أن الأكل والشرب يحصل بهما من المنفعة أكثر مما يحصل بهذه الإبر المغذية‏.‏

ثانياً‏:‏ أن الأكل والشرب يحصل به من التلذذ ما لا يحصل بهذه الإبر المغذية، ولهذا تجد الإنسان الذي يتغذى بهذه الإبر في أعظم ما يكون شوقاً إلى الأكل والشرب، أي ينتظر سماح الأطباء له بالأكل والشرب بفارغ الصبر‏.‏ فما هو الجواب على هذه الشبهة‏؟‏

الجواب‏:‏ أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث لقيط بن صبرة ـ رضي الله عنه ـ‏:‏ ‏"‏بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً‏"‏ يدل على أنه لا يشترط أن يتلذذ الإنسان بما يكون مفطراً، فإن ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف لا يحصل به من التلذذ ما يحصل بما إذا وصل عن طريق الفم، وبهذا نعرف أن القياس تام، وأن الإبر التي يستغنى بها عن الطعام والشراب مفطرة، ولأن هذا من باب الاحتياط، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏دع ما يريبك إلى ما لا يريبك‏"‏‏.‏

ولأن الغالب أن الإنسان لا يحتاج إلى هذه الإبر إلا وهو مريض مرضاً يبيح له الفطر‏.‏

5 ـ إنزال المني بشهوة بفعل من الصائم‏:‏

فإذا أنزل الصائم المني بشهوة بفعل منه فقد فسد صومه، والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال‏:‏ ‏"‏وفي بضع أحدكم صدقة‏"‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر‏؟‏‏"‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏"‏فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر‏"‏‏.‏ والذي يوضع من الشهوة هو المني، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي في الصائم‏:‏ ‏"‏يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي‏"‏‏.‏ هذا هو ما ظهر لي من الدليل على أن المني مفطر‏.‏

مسألة‏:‏ لو أنزل الصائم مذي، كما لو قبَّل زوجته فأمذى فهل يفسد صومه‏؟‏

ج‏:‏ لا يفسد صومه، لأن المذي لا يصح قياسه على المني، لأنه دونه، ولهذا المني يوجب الغسل، والمذي لا يوجب الغسل‏.‏

وبناء على ذلك نقول‏:‏ إن المذي لا يفطر ولو بتعمد من الصائم‏.‏

قلنا عن المني بشهوة‏.‏ فإن نزل بغير شهوة مثل أن يكون بالإنسان مرض ينزل معه المني فإنه لا يفطر‏.‏

وقلنا‏:‏ بفعلٍ من الصائم أي باختيار منه‏.‏ فإن لم يكن بفعل منه فإنه لا يفطر، كما لو فكَّر في الجماع فأنزل، فهذا الذي أنزل بالتفكير لكن ما حرك أي شيء لم يعبث بذكره، ولم يتمرغ على الأرض فقط فكر فأنزل فلا يفسد صومه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم‏"‏‏.‏ وهذا الرجل لم يعمل ولم يتكلم‏.‏

6 ـ القيء عمداً‏:‏

فإذا تقيأ الإنسان عمداً بأن أخرج الطعام من معدته فإنه يفطر، وإن غلبه القيء بدون قصد فإنه لا يفطر، لحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من ذرعه القيء فلا قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض‏"‏‏.‏

‏"‏من ذرعه القيء‏"‏ يعني غلبه، هذا هو الدليل الأثري، وهناك دليل نظري وهو أن التقيؤ يضعف البدن، لأنه يخرج الطعام والشراب الذي في المعدة، وإذا خلت المعدة من الطعام والشراب فإن البدن يضعف بالصوم، فكان من مقتضى حكمة الله عز وجل أن يكون القيء مفطراً‏.‏ فنقول للصائم‏:‏ لا تتقيأ في صيام الفرض، فإن اضطررت إلى ذلك وصار لابد من التقيؤ فإنك في هذه الحال تفطر، ويجوز لك الأكل والشرب لتعيد للبدن ما فات من قوته‏.‏

7 ـ الحجامة‏:‏

إذا احتجم الصائم وظهر منه الدم فإنه يفطر والدليل‏:‏ حديث شداد بن أوس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏أفطر الحاجم والمحجوم‏"‏‏.‏ وهذا دليل أثري أي ثبت به الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك أيضاً دليل نظري وهو ضعف المحجوم بالحجامة، لأن المحجوم يخرج منه الدم بكثرة، وإذا خرج منه الدم بكثرة فإن بدنه يضعف، ويكون الصوم مؤثراً في هذا البدن الذي أصابه الضعف في نزول الدم الكثير منه‏.‏

ولهذا نقول‏:‏ من كان صومه واجباً فإنه لا يجوز أن يحتجم، فإن هاج به الدم واحتاج إلى الحجامة احتجم وأفطر، وله الأكل والشرب لأجل أن يعيد القوة لبدنه‏.‏

هل يقاس على الحجامة ما كان بمعناها‏؟‏

ج‏:‏ نعم‏.‏ يقاس عليها ما كان بمعناها، ومنه أن يسحب من الصائم دم كثير، وهذا يقع أحياناً إذا احتيج إلى دم الصائم ليحقن في إنسان آخر، فإنه يسحب منه دم كثير، ولهذا يضعف البدن، ويعطيه الأطباء شيئاً من السوائل ليرد عليه هذا الضعف الذي حصل بسحب الدم منه، أما ما كان دون الحجامة كسحب الدم للتحليل فهذا لا يضر ـ أي لا يفطر ـ حتى وإن كان عمداً، وكذلك لو رعف أنف الصائم فإنه لا يفطر ولو كثر الدم، لأنه بغير اختياره‏.‏

8 ـ خروج دم الحيض‏:‏

فإذا حاضت المرأة وهي صائمة فسد صومها‏.‏

مسألة‏:‏ لو حاضت المرأة ولم يبق من النهار إلا خمس دقائق فإنه يفسد صومها‏.‏

مسألة‏:‏ لو حاضت بعد غروب الشمس بخمس دقائق فإنه لا يفسد صومها‏.‏

والمعروف عند النساء أن المرأة إذا حاضت بعد الغروب وقبل صلاة المغرب فإن صومها يفسد، وهذا غير صحيح، ولهذا أنا أرجو أن تنبهوا النساء على هذه المسألة، فإن هذا يقع عنه السؤال كثيراً‏.‏

وبعضهن تقول‏:‏ إذا حاضت قبل صلاة العشاء فإن صومها ذلك اليوم يكون فاسداً، وهذا خطأ وأشد خطأ من الأول‏.‏

مسألة‏:‏ إذا انتقل وأحست بانتقاله ولكن لم يخرج إلا بعد غروب الشمس فهل صومها صحيح‏؟‏

ج‏:‏ الصحيح أن صومها صحيح، وأنه لا عبرة بانتقاله حتى يخرج، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏نعم إذا هي رأت الماء‏"‏‏.‏

وهذا يدل على أن الموجبات للغسل، أو المفسدات للصوم فيما يخرج لابد أن يخرج ويرى، وعليه‏:‏ فلو أحست بانتقال الحيض قبل غروب الشمس بعشر دقائق، أو أقل ولكن لم يخرج الحيض إلا بعد غروب الشمس فإن صومها صحيح‏.‏

شروط المفطرات‏:‏

1 ـ العلم‏.‏ 2 ـ الذكر‏.‏ 3 ـ الإرادة، أي الاختيار‏.‏

العلم ضده الجهل، فالجاهل لا يفطر ولو تناول هذه المفطرات، سواء كان جاهلاً بالحكم، أو جاهلاً بالحال‏.‏

الجاهل بالحكم أن يظن أن هذا الشيء لا يفطر، مثل أن يحتجم الصائم وهو لا يعلم أن الحجامة تفطر، فنقول‏:‏ إن هذا الذي احتجم صيامه صحيح‏.‏

الجاهل بالحال أن يظن أن الوقت وقت أكل وشرب، فيأكل ويشرب ظانًّا أنه في وقت يباح له الأكل والشرب‏.‏

مثل أن يأكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد طلع الفجر، فهذا جاهل بالحال ‏"‏الوقت‏"‏‏.‏

وآخر سمع صوتاً في آخر النهار وهو لا يرى الشمس يقول‏:‏ الله أكبر، فظنه المؤذن، فأفطر ظانًّا أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أن النهار باقٍ وأن الشمس لم تغرب فلا يفسد صومه‏.‏

الذكر ضده النسيان‏:‏ فلو أن الإنسان أكل، أو شرب، أو جامع زوجته ناسياً أنه صائم فصومه صحيح، والدليل على اشتراط العلم والذكر، وأن من كان جاهلاً أو ناسياً لم يفسد صومه نوعان‏:‏

عام وخاص، فالعام كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين‏}‏ والخطأ هو الجهل‏.‏ وهذه الا?ية عامة في الصوم وغيره، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ‏}‏ وهذه الا?ية عامة‏.‏

والخاص في النسيان قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ‏:‏ ‏"‏من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه‏"‏‏.‏ متفق عليه‏.‏ وهذا نص صريح بأن الصوم لا يفسد‏.‏ وذَكر الأكل والشرب لا ينافي ما عداهما، لأنهما ذكرا على سبيل التمثيل‏.‏

ودليل الجهل بالحكم حديث عدي بن حاتم ـ رضي الله عنه ـ حينما أراد أن يصوم، وكان في القرآن الكريم‏:‏ ‏{‏ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ‏}‏ فأخذ عقالين‏:‏ أحدهما أبيض والا?خر أسود، وجعلهما تحت وسادته، وجعل يأكل ويشرب وينظر إلى العقالين حتى تبين الأبيض من الأسود فأمسك، فلما أصبح أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن وسادك لعريض أن وسع الخيط الأبيض والأسود‏"‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل‏"‏‏.‏ ومعنى قوله وسادك لعريض‏:‏ أي يسع الأفق، لأن الخيط الأبيض والأسود، يكون مائلاً للأفق، لأن الخيط الأبيض الذي يحرم به الأكل والشرب على الصائم هو الفجر الصادق الذي يكون مستطيلاً من الشمال إلى الجنوب، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، لأنه كان جاهلاً بالحكم، يظن أن هذا هو معنى الا?ية الكريمة وليس كذلك‏.‏

وأما الجهل بالحال‏:‏

فالدليل الخاص فيه حديث أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ الذي أخرجه البخاري، قالت‏:‏ ‏"‏أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس‏"‏، فيكون الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أفطروا قبل غروب الشمس لقولها‏:‏ ‏"‏ثم طلعت الشمس‏"‏ وهذا الجهل بالحال لأنهم لم يعلموا أن الشمس باقية، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، لأنه لو أمرهم بالقضاء لنقل إلينا، إذ أنه أي القضاء يكون من الشريعة، والشريعة لابد أن تنقل وتحفظ فلما لم ينقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقضاء علم أنه لم يأمرهم به، وإذا لم يأمرهم به فليس بواجب، لأنه لو وجب لأمرهم به‏.‏

إذا حصلت هذه المفطرات بغير اختيار من الإنسان فإن صومه صحيح، لو أنه احتلم وهو صائم ونزل منه المني فإن صومه صحيح، لأن ذلك بغير اختياره، ولو توضأ الإنسان وتمضمض ثم نزل شيء من الماء إلى جوفه فصومه صحيح، لأنه لم يتعمد ذلك، ولو مرَّ الصائم بشارع فيه غبار وتطاير شيء من الغبار إلى أنفه فصومه صحيح، لأنه بغير اختياره‏.‏

والدليل على هذا الشرط الثالث قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ‏}‏، وهذا لم يتعمد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ‏}‏‏.‏ ووجه الدلالة من هذه الا?ية أنه إذا عذر الإنسان بالإكراه في الكفر فما دونه من باب أولى‏.‏

هذه المفطرات إذا فعلها الإنسان وقد تمت الشروط الثلاثة، كما لو أكل عالماً، ذاكراً، مختاراً ترتب عليه‏:‏

أولاً‏:‏ الإثم إذا كان الصوم واجباً‏.‏

ثانياً‏:‏ فساد الصوم‏.‏

ثالثاً‏:‏ وجوب الإمساك إن كان في رمضان‏.‏

رابعاً‏:‏ القضاء، هذا إذا كان صومه واجباً‏.‏

أما إذا كان الصوم تطوعاً وأفسده فإنه لا يترتب عليه إلا شيء واحد وهو فساد الصوم، وليس عليه إثم ولا قضاء، لأنه تطوع‏.‏

ينفرد الجماع بأمر خامس وهو الكفارة، وعلى هذا فمن جامع في نهار رمضان والصوم واجب عليه ترتب على جماعه خمسة أمور‏:‏

1 ـ الإثم‏.‏ 2 ـ فساد الصوم‏.‏ 3 ـ لزوم الإمساك‏.‏ 4 ـ وجوب القضاء‏.‏ 5 ـ وجوب الكفارة‏.‏

والكفارة‏:‏ كفارة مغلظة وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً‏.‏

الأدلة على ذلك‏:‏

أولاً‏:‏ الإثم‏.‏ الدليل فيه ظاهر، لأن هذا صوم واجب أفسده، وكل إنسان يفسد ما وجب فهو آثم‏.‏

ثانياً‏:‏ لزوم الإمساك عقوبة له، لأن نهار رمضان لا يستباح فيه المفطرات إلا بعذر شرعي‏.‏

ثالثاً‏:‏ أما القضاء فواضح، لأنه واجب، والواجب يجب قضاؤه‏.‏

رابعاً‏:‏ أما الكفارة بالنسبة لمن جامع في نهار رمضان والصوم واجب عليه فدليله حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، هلكت، فقال‏:‏ ‏"‏ما أهلكك‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال‏:‏ ‏"‏هل تجد ما تعتق رقبة‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فكل خصاص الكفارة تعذرت في حقه، ثم جلس الرجل فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏تصدق بهذا‏"‏ فقال‏:‏ أعلى أفقر مني، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال‏:‏ ‏"‏اذهب فأطعمه أهلك‏"‏‏.‏

مسألة‏:‏ لو جامع الإنسان أهله في غير رمضان ولو في قضاء رمضان فهل عليه كفارة‏؟‏

ج‏:‏ لا، ليس عليه كفارة‏.‏

مسألة‏:‏ لو جامعها في نهار رمضان والصوم غير واجب عليه، مثل أن يكون هو وزوجته مسافرين وصائمين في السفر ثم جامعها في رمضان فليس عليه كفارة، لماذا‏؟‏

ج‏:‏ لأنه يباح له الفطر‏.‏

مسألة‏:‏ هل الكحل يفطر‏؟‏

ج‏:‏ لا، لأنه ليس من المفطرات فالمفطرات، محصورة‏.‏

مسألة‏:‏ هل التقطير في الأذن يفطر‏؟‏

ج‏:‏ لا، لأنه ليس من المفطرات‏.‏

مسألة‏:‏ هل استنشاق الفيكس يفطر‏؟‏

ج‏:‏ لا يفطر، لأن ليس فيه أجزاء تتصاعد حتى تنزل إلى الجوف، لكن فيه رائحة قوية لا تضر‏.‏

قطرة العين كذلك لا تفطر، استنشقاق البخور يفطر إذا وصل إلى الجوف، أما إذا لم يصل إلى الجوف، فإنه لا يفطر، لكن لا شك أن البُعد عنه أولى، لأن الإنسان لا يأمن أن يصل إلى جوفه، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً‏"‏‏.‏

مسألة‏:‏ هل السعوط يفطر أم لا‏؟‏

ج‏:‏ نعم، يفطر إذا وصل إلى الجوف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة‏:‏ ‏"‏بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً‏"‏‏.‏

واعلم يا أخي أنك إذا قلت هذا مفطر، والله لم يجعله مفطراً فكما لو قلت عن الشيء الذي جعله الله مفطراً‏:‏ إن هذا غير مفطر؛ لأن تحليل الحرام كتحريم الحلال، وإيجاب ما لم يجب كإسقاط ما وجب، فالحكم واحد،لأن الشريعة إنما تتلقى من الكتاب والسنة، فالواجب أن نقتصر على ما دل عليه الكتاب والسنة‏.‏

والله أعلم،وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‏.‏